الصالحي الشامي
41
سبل الهدى والرشاد
كريم الطبيعة ، جميل المعاشرة ، طليق الوجه ، بسام من غير ضحك ، محزون من غير عبوس ، شديد من غير عنف ، متواضع في غير مذلة في غير سرف ، رحيم بكل ذي قربى ومسلم ، رقيق القلب ، دائم الإطراق ، لم يبشم قط من شبع ، ولم يمد يده إلى طمع قط ، قال أبو سلمة : فحدثت عائشة بهذا الحديث كله عن أبي سعيد فقالت : ما أخطأك حرفا ، ولقد قصر أما أخبرك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمتلئ شبعا قط ، ولم يبث إلى أحد شكوى ، وإن كانت الفاقة أحب إليه من اليسار ، والغنى ، إن كان ليظل جائعا يلتوي ليلته حتى يصبح فلا يمنعه ذلك من صيام يومه ، ولو شاء أن يسأل ربه فيؤتى بكنوز الأرض وثمارها ، ورغد عيشها ، من مشارقها ومغاربها لفعل ، قالت : وربما بكيت رحمة مما أراني له من الجوع فأمسح بطنه بيدي وأقول : نفسي لك الغداء لو تبلغت من الدنيا بقدر ما يقوتك ، ويمنع الجوع ، ويقول : يا عائشة : إن إخواني من أولى العزم من الرسل قد صبروا على ما هو أشد من هذا ، فمضوا على حالهم ، فقدموا على ربهم ، فأكرم مثابهم ، وأجزل ثوابهم ، أستحي إن ترفهت في معيشتي أن يقصر بن دونهم فالصبر أياما يسيرة أحب إلى مما ينقص حظي غدا في الآخر ، فما من شئ أحب إلى من اللحوق إلى إخواني في سنده ميسرة بن عبد ربه . تنبيهان الأول : تقدم في حديث حسن أنه لم يكن له صلى الله عليه وسلم بواب ، عن أنس قال : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة ، وهي تبكي عند قبر ، فقال : " اتقي الله ، واصبري " ، قالت : إليك عني ، فإنك تخلو من مصيبتي ، قل : فأجوزها ، ومضى ، فمر بها رجل فقال : ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : ما عرفته ؟ قال : إنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فجاءت إلى بابه ، فلم تجد عليه بوابا . . . الحديث ، ولا يخالف هذا حديث أبي موسى أنه كان بوابا لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما جلس على القف ، لأنه صلى الله عليه وسلم إذا لم يكن في شغل من أهله ، ولا انفراده من أمره ، يرفع الحجاب بينه ، وبين الناس ، ويبرز لطالب الحاجة إليه ، وفي حديث عمر بن الخطاب حين استأذن له الأسود في قصة حلف ألا يدخل على نساء شهرا ، ففيه أنه كان في وقت خلوته بنفسه يتخذ بوابا ، ولولا ذلك لاستأذن عمر لنفسه ، ولم يحتج إلى قوله : يا رباح استأذن لي ، ويحتمل أن يكون سبب استئذان عمر أنه خشي أن يكون وجد عليه بسبب ابنته ، فأراد أن يختبر ذلك باستئذانه عليه ، فلما أذن اطمعان قاله الحافظ . الثاني : في بيان غريب ما سبق : التواضع : مصدر تواضع : هو هضم النفس من الملكات المرضية المورثة للمحبة من الله ومن خلقه . ( * )